شرح العقيدة الطحاوية
منزلة وحقيقة الإيمان بالقدر

القدر

منزلة وحقيقة الإيمان بالقدر

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه.


نعم هذا في مبحث القدر وأن الله -سبحانه وتعالى- علم كل شيء ولا يخفى عليه والمؤلف -رحمه الله- بحث القدر في مواضع، والقدر بالفتح والسكون لغة مصدر قدرت الشيء إذا أحطت بمقداره، واصطلاحا تعلق علم الله وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها فلا حاجة إلا وقدرها الله أزلا أي سبق به علم الله وتعلقت به إرادته.

منزلة الإيمان بالقدر من الدين الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة ودليله حديث جبريل وفيه لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان: « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره »(1) فجعله سادس أصول الإيمان، فمن لم يؤمن بالقدر فقد ترك أصلا من أصول الإيمان وجحده فيشبه من قال الله فيهم: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ (2)

فإذا من أنكر القدر فليس بمؤمن بل ولا مسلم فلا يقبل عمله قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- بعد ذكر آثار الإيمان بالقدر: وهذه الآثار كلها تحقق هذا المقام، وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنزله على رسله. انتهى كلامه -رحمه الله- كلام عظيم للإمام ابن القيم يقول -رحمه الله-: هذه الآثار كلها تحقق هذه المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في كل كتاب أنزله على رسله قال: هذا من لم يؤمن بالقدر ما آمن بالله ليس مؤمنا ما صح إيمانه.

الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، ومن أنكر جحد أصلا من هذه الأصول فقد خرج عن دائرة الإسلام وصار من الكافرين -نسأل الله السلامة والعافية-؛ لأن هذه الأصول أجمعت عليها نزلت بها الكتب وجاءت بها الرسل وأجمع عليها المسلمون فمن جحد واحدا منها فقد خرج عن دائرة المسلمين ودخل في دائرة الكافرين، وهناك آثار جاءت في مقت القدرية لكن هي عند أهل العلم فيها ضعف وهي موقوفة على الصحابة المرفوع منها فيه ضعف والوقف على الصحابة أصح وذلك ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم »(3) وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم يعني: القدرية الذين ينكرون القدر، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم استدل بالحديث السابق حديث ابن عمر: « الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره »(4)

وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: « إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة »(5) يا بني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: « من مات على غير هذا ليس مني »(6) وفي رواية لابن وهب قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار »(7) وهذا ذكره الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.

وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء -لعل الله يذهبه من قلبي- فقال: « لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- »(8) حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه، قد ذكر هذا الحديث الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.

حقيقة الإيمان بالقدر أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك والقدر كما سيأتي أنه سنة الله في خلقه وهو أن الله -سبحانه- أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات وأحيا وهدى وأضل وهو شامل لكل شيء في هذا الكون للذوات والصفات والحركات والأفعال، ولكن من أهم ما يجب الإيمان به أن يعلم المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

متى خرجت القدرية وما زمن خروجهم ومن أول من تكلم بالقدر القدرية خرجوا في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم وأول من تكلم في القدر شخص يقال له: معبد الجهني بالبصرة

مراتب الإيمان بالقدر مراتب الإيمان أربع:

الأولـى: مرتبة العلم، وصفة العلم من الصفات الذاتية وهي تتناول الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمبتدع، وذلك أن علم الله محيط بالأشياء على ما هي عليه لا محو فيه ولا تغيير ولا زيادة ولا نقص فإن الله يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون؛ إذا علم الله يتناول الموجود ويتناول المعدوم ويتناول الواجب ويتناول الممكن ويتناول المبتدع أيضا، والأدلة على إثباتها من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى واتفق عليه الصحابة والتابعون ولم يخالف فيها إلا مجوس هذه الأمة.

المـرتبة الثانية: مرتبة الكتابة وهي أن الله كتب مقادير الخلائق وما هو كائن إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ والأدلة على إثباتها قول الله -تعالى- ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ (9) وفي الحديث « أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة »(5) ومن الأدلة على المرتبتين الأوليين قول الله -تعالى- ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ (10)

المـرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة وهي إثبات مشيئة الله النافذة الماضية إثبات نفوذ قدرته ومشيئته وشمول قدرته ومن الأدلة على إثباتها قول الله -تعالى-: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا (11) وقول الله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (12)

الـرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد وهي إثبات خلق الله وإيجاده لكل شيء ومن الأدلة على إثباتها قول الله -تعالى-: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (13) وقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ (14) هذه مراتب القدر العلم والكتاب والإرادة والخلق وقد نظمها بعضهم فقال:

علم كتابة مولانا مشيئته *** وخلقه وهو إيجاد وتقدير

وخلقه وهو إيجاد وتقدير مذاهب الناس في القدر ثلاثة:

المذهب الأول: مذهب أهل السنة أن كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس حتى العجز والكيس يعني: حتى العجز والجد والنشاط كله بقدر كل شيء بقضاء الله وقدره، مذهبهم أن كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس وأن الله -تعالى- خلق أفعال العباد كما قال الله -تعالى-: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (15) وقال: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (16) وأن الله -تعالى- يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشاؤه كونا ولا يرضاه دينا وأنه لا حادث إلا، وقد قدره الله أزلا أي: سبق به علمه، ويعتقد أهل السنة أن الإرادة قسمان: كونية قدرية خلقية ترادف المشيئة ودينية شرعية أمرية ترادف المحبة، ويثبتون أن العبد فاعل حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول له ولا يقولون: هو نفس فعل الله فيفرقون بين الخالق والمخلوق والفعل والمفعول ويعتقدون العبد تابعة لمشيئة الله في كل شيء مما يوافق ما شرعه وما يخالفه من أفعال العبد وأقواله، فالكل بمشيئة الله، فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه كما قال الله -تعالى-: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (17)

المذهب الثاني: مذهب القدرية مذهب القدرية، ومن أصولهم نفي خلق الفعل مطلقا نفي خلق الفعل يقولون: أفعال العباد ليست مخلوقة لله أفعالهم من خير وشر وطاعة ومعصية لم يقدرها الله ولم يشأها ولم يخلقها، وغلاة القدرية والرافضة أنكروا أن الله عالم بالأزل، فالقدرية قسمان غلاة ومتوسطون، فالغلاة أنكروا المرتبتين الأوليين علم الله وكتابته، والمتوسطون أنكروا عموم المرتبتين الأخريين آمنوا بالعلم والكتابة اعترفوا صدقوا بالمرتبتين الأوليين ولكن جحدوا عموم المرتبتين الأخريين كما سيأتي، فغلاة القدرية القدامى -وهم قدامى- كمعبد الجهني الذي سأل ابن عمر عن مقالته وكعمرو بن عبيد، فإنهم ينكرون علم الله المتقدم وكتابته السابقة ويزعمون أن الله أمر ونهى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه بل الأمر أنف أي: مستأنف، وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهر ذلك بالبصرة معبد الجهني وأخذ عنه هذا المذهب غيلان الدمشقي فرد عليه بقية الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهم.

فالقدرية ينقسمون إلى فرقتين:

الأولى: تنكر أن الله سبق علمه بالأشياء مطلقا وتزعم أن الله لم يقدر الأمور أزلا ولم يتقدم علمه بها وإنما يعلمها إذا وقعت، وهؤلاء هم الغلاة قال العلماء: والمنكرون لهذا وهؤلاء الطائفة انقرضوا وهم الذين كفرهم الأئمة، مالك والشافعي وأحمد، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصبوا وإن أنكروه كفروا.

الفرقة الثانية: المتوسطون أو عامة القدرية الذين أقروا بالعلم والكتاب المقرون بالعلم، وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال يعني: يقولون: أفعال الله أفعال العباد ما شاءها الله ولا خلقها فيقولون: إن مشيئة الله عامة إلا أفعال العباد وخلق الله لكل شيء عام إلا أفعال العباد، وهذا المذهب مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وهؤلاء مبتدعة ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد يعني: يوجد من العلماء من اعتنق هذا المذهب ومنهم من أخرج له البخاري ومسلم في صحيحهما لكن من كان داعية إلى بدعته لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء الحديث كأحمد وغيره ومن كان داعية إلى بدعته فإنه يستحق التعزير لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا فأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين فلا يستقضى ولا تقبل شهادته. انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله-.

فالقدرية والمعتزلة نفاة القدر يثبتون للعبد مشيئة تخالف مشيئة الله أي: تخالف ما أراده الله من العبد وشاءه ويزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه استقلالا بدون مشيئة الله وإرادته شبهتهم قالوا: لئلا يلزم على ذلك أن يخلق المعاصي ويعذب عليها فشبهتهم قالوا: فالقدرية على أصل وهو أنه يجب على الله فعل الأصلح للعبد، فلو قلنا: وفعل الأصلح للعبد وهو أن يقدر لهم الطاعة لا المعصية فلو قدر المعصية وعذب عليها للزم عليه أن يخلق المعاصي ويعذب عليها.

الرد عليهم نقول: أنتم في قولكم هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهم هربوا من شيء فوقعوا في شر منه، فإنه يلزم على قولهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم، والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله وهذا من أقبح الاعتقاد وهو قول لا دليل عليه بل هو مخالف للدليل النقلي والعقلي، وهل أضل ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله ؟.

ثانيا: أنه يلزم على قولهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد.

ثالثا: يلزم على قولهم على الإشراك في الربوبية وأن الله ليس ربا لأفعال الحيوانات أن الله ليس ربا لأفعال العباد ومذهبهم أن الله سبحانه ليس على كل شيء قدير وأن العباد يقدرون على ما لا يقدر عليه وأن الله -سبحانه- لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا، وهذا كما قال بعض العلماء: شرك في الربوبية مختصر؛ ولهذا ورد أن القدرية مجوس هذه الأمة لمشابهة قولهم لقول المجوس، فهم يثبتون مع الله خالقين للأفعال ليست أفعالهم مقدورة لله بل هي قادرة بغير مشيئة الله وإرادته ولا قدرة له عليها بل العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله، والله لم يخلق أفعالهم وأنها واقعة بمشيئتهم وقدرتهم دون مشيئة الله، وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم يكتبه ولا شاءه فشابهوا المجوس في كونهم أثبتوا خالقا مع الله؛ ولهذا سموا مجوس هذه الأمة وسموا قدرية لإنكارهم القدر.

والرد عليهم: يرد عليهم بأن ربوبية الله سبحانه الكاملة المطلقة تبطل قول هؤلاء؛ لأن مقتضى ربوبية الله لجميع ما في هذا الكون من الذوات والصفات والحركات والأفعال، وحقيقة قول هؤلاء أن الله ليس ربا لأفعال الحيوانات ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرة الله ومشيئة وخلقه؟ وهذا قول عامتهم ومتصوفتهم، وهذا القول هو قول شائع في القدرية يعني: هذا القول هذا المذهب إنما هو مذهب عامة القدرية.

المذهب الثالث: مذهب الجبرية أن العبد ليس بفاعل أصلا بل هو مجبور على أفعاله وأفعاله واقعة باختياره وأن الفاعل منه سواه والمحرك له غيره فهو آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات المرتعش هذا قول عامة الجبرية، وأما متصوفتهم ممن يزعمون الترقي في مقام الشهود للحقيقة الكونية والربوبية الشاملة فيرون أن كل ما يصدر من العبد من ظلم وكفر وفسوق هو طاعة محضة؛ لأنها إنما تجري وفق ما قضاه الله وقدره فهو محبوب لديه مرضي عنه، فإنه إن خالف أمر الشرع فقد أطاع إرادته ونفذ مشيئته، وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد عداوة لله ومناقضة لكتابه ورسله ودينه، وتسمى الجبرية قدرية لاحتجاجهم بالقدر وخوضهم فيه والتسمية على الطائفة الأولى أغلب والجبرية والقدرية في طرفي نقيض

فالقدرية غلوا في نفي القدر حتى أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله ومشيئته والجبرية غلوا في الإثبات حتى سلبوا العباد قدرتهم واختيارهم وزعموا أنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله هو فاعل تلك الأفعال حقيقة فهي نفس فعله لأفعالهم والعبيد ليس لهم قدرة ولا إرادة ولا فعل البتة وأن أفعالهم بمنزلة حركات الجماد لا قدرة لهم عليها وإمامهم الجهم بن صفوان.

الرد عليهم أن هذا المذهب باطل ضرورة؛ لأننا نفرق بالضرورة بين حركة البطش وحركة المرتعش ونعلم أن الأول باختياره بالاختيار دون الثاني.

ثانيا: ولأنه لو لم يكن العبد فعل أصلا لما صح التكليف ولا ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله ولا إسناد الأفعال التي تقضي سابقة قصد إليه على سبيل الحقيقة، مثل صلى وصام وكتب بخلاف مثل طال واسود لونه وجرى النهر وذهبت الريح.

ثالثا: النصوص القطعية تنفي ذلك وتنسب الأفعال إلى العباد قال الله -تعالى-: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (18) وقال -سبحانه-: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (19) وقال -سبحانه-: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (20) وقال: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (21) فالعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم حقيقة ولا يصح وصف الله بأفعال عباده، فالعبد هو الفاعل حقيقة بجعل الله له فاعلا، منشأ الضلال من شبه الجبرية أنهم يقولون: إننا نقول: إن العبد لا فعل له لئلا يقع في ملك الله ما لا يريد ولئلا يوجد خالق غير الله يعني: عكس شبهات القدرية.

ما هو منشأ ضلال كل منهما؟ التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا هذا هو الضلال يعني: كل من القدرية سووا بين إرادة الله ومحبته وإن كان كل من الطائفتين لم يثبت إلا إرادة القدرية ما أثبته إلا الإرادة الدينية لكن قالوا: كل ما قضاه الله وقدره فهو محبوب له مرضي وأنكروا أن يكون هناك إرادة كونية، والجبرية قالوا: ليس هناك إلا إرادة كونية وكل ما قضاه الله وقدره فهو محبوب له مرضي.

فإذا منشأ ضلال كل منهما التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا، فالإرادة عند الجبرية واحدة وهي الكونية فقالوا: الكون كله بقضاء الله وقدره، فيكون محبوبا مرضيا حتى المعاصي والكفر والإرادة عند القدرية واحدة وهي الشرعية، فقالوا: ما شرعه الله فقد قدره وأمر به وأحبه وليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة ولا مقضية بل هي خارجة عن مشيئته وخلقه.

الرد عليهم أن نقول: قد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما المشيئة فمن الكتاب قول الله -تعالى-: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (12) وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا (11) وقال: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (22) وقال: ﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ (23) وقال: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا (24) وأما نصوص المحبة والرضا فقال -سبحانه-: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (25) وقال: ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (17) وقال: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (26) عقب ما نهى عنه الشرك والظلم والفواحش والكبر، وفي الحديث: « إن الله كره لكم ثلاثا -قيل: وقال-: وكثرة السؤال وإضاعة المال »(27) وفي المسند « يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته »(28)

ومذهب أهل السنة أن المشيئة والمحبة ليس مدلولهما واحدا ولا هما متلازمان بل قد يشاء الله ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه، فالأول كمشيئته لوجود إبليس وجنوده ومشيئته العامة لجميع ما في الكون ما بغضه لبعضهم والثاني كمحبته لإيمان الكفار والفجار، ولو شاء ذلك لوجد ذلك كله فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويرد على الطائفتين بقول الله -تعالى-: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (29) أي: خلقكم والذي تعملون فدلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله وعلى أن أفعال لهم حقيقة، ففيها الرد على الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالا ويرد عليهم بحديث حذيفة: إن الله خالق كل صانع وصنعته فالله سبحانه خلق الإنسان بجميع أغراضه وحركاته، وهؤلاء الجبرية والجهمية يخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها فيزعمون أن الله -تعالى- لا يفعل لعلة ولا لحكمة، وإنما هو محض مشيئة وصرف إرادة، وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف على الجذمة -قبحه الله- يقف على الجذمة يعني: المصاب بالجذام فيقول: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكارا للرحمة والحكمة.

ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة ذكرها ابن القيم -رحمه الله- من تسعين وجها والذي عليه أهل السنة والجماعة هو إثبات العلة والحكمة في أفعال الله وشرعه وقدره فما خلق شيئا ولا قضاه ولا شرعه إلا لحكمة بالغة وإن قصرت عنها عقول البشر، والأدلة الدالة على إثبات هذا الأصل كثيرة وأنه سبحانه حكيم شرع الأحكام لحكمة ومصلحة فما خلق شيئا عبثا ولا خلق شيئا سدى من ذلك قول الله -تعالى-: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا (30) وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (31) وقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (32) وقال ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (33) وقال: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (34) وأهل السنة توسطوا فأثبتوا أن العباد فاعلون ولهم قدرة على أعمالهم ولهم إرادة ومشيئة وأن الله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم فأفعال العبد تضاف إليه على جهة الحقيقة والله خلقه وخلق فعله ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (29) فأخبر أن العباد يعملون ويصنعون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون ويكذبون فللعبد مشيئة ولا تكون إلا بمشيئة الله ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (22) والله أعلم نعم اقرأ.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وقد علم الله -تعالى- فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة .

نعم، وهذه الإرادة هذه المرتبة الأولى من مراتب القدر أن الله علم ما يعمله العباد يعلم كل شيء سبحانه كما ثبت يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو يعلم أفعال عباده وحركاتهم وسكناتهم وأفعالهم وما يشاءن خلق ذلك وكتب ذلك علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ قبل خلقه كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو « إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء »(35) فالله علم أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وأعمالهم وخلق ذلك قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء نعم.

فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه .

نعم، لا يزداد ولا ينقص منه مكتوب في اللوح المحفوظ قال -سبحانه-: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (36) والإمام المبين هو اللوح المحفوظ قال -سبحانه-: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ (10) وهو اللوح المحفوظ، وقال -سبحانه-: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (9) وهو اللوح المحفوظ نعم.


(1) البخاري : تفسير القرآن (4777) , ومسلم : الإيمان (10) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (4991) , وابن ماجه : المقدمة (64) , وأحمد (2/426).
(2) سورة البقرة: 85
(3) أبو داود : السنة (4691) , وأحمد (2/86).
(4) ابن ماجه : المقدمة (63) , وأحمد (1/52).
(5) الترمذي : القدر (2155).
(6) أبو داود : السنة (4700).
(7)
(8) أبو داود : السنة (4699) , وابن ماجه : المقدمة (77) , وأحمد (5/182).
(9) سورة الحديد: 22
(10) سورة الحج: 70
(11) سورة البقرة: 253
(12) سورة السجدة: 13
(13) سورة الأنعام: 102
(14) سورة الأنعام: 101
(15) سورة القمر: 49
(16) سورة الفرقان: 2
(17) سورة الزمر: 7
(18) سورة السجدة: 17
(19) سورة الكهف: 29
(20) سورة البقرة: 43
(21) سورة البقرة: 185
(22) سورة الإنسان: 30
(23) سورة الأنعام: 39
(24) سورة الأنعام: 125
(25) سورة البقرة: 205
(26) سورة الإسراء: 38
(27) البخاري : الزكاة (1477) , ومسلم : الأقضية (593) , وأحمد (4/249).
(28) أحمد (2/108).
(29) سورة الصافات: 96
(30) سورة المؤمنون: 115
(31) سورة القيامة: 36
(32) سورة الدخان: 38 - 39
(33) سورة الأنبياء: 107
(34) سورة الفرقان: 1
(35) مسلم : القدر (2653) , والترمذي : القدر (2156) , وأحمد (2/169).
(36) سورة يس: 12


 مواد ذات صلة: