شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
الجدال في الدين

الجدال في الدين

وأن لا يخاصم أحدًا ولا يناظره، ولا يتعلم الجدال، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه، لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن بالآثار.


عندك "و" والواو أصح النسخة اللي عندي ما فيها واو؛ "لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه" نعم هذا الكلام حق يقول المؤلف رحمه الله: "يجب على المسلم أن يؤمن بالأحاديث، وأن لا يخاصم أحدا ولا يناظره، ولا يتعلم الجدال" كل هذا مطلوب من المسلم "أن لا يخاصم أحدًا ولا يناظره" فإن الخصومات، الخصوم والجدال في الدين منهي عنه، حينما يخاصم الإنسان ويناظر في النصوص فهذا يؤدي به إلى الإنكار وإلى التأويل، وهذه طريقة أهل البدع، الخصومات والجدال من طريقة أهل البدع.

وفي الحديث: « إن الله يبغض الألد الخصم »(1) وقال تعالى في ذمهم: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾(2) فالخصومة والجدال والمناظرة مذموم في النصوص؛ ولهذا روى الآجري في الشريعة بسند حسن، عن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس -رضي الله عنه- يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلاحقه رجل يقال له أبو الحورية -كان يتهم بالإرجاء- فقال: يا أبا عبد الله -يخاطب مالك- اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي، قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك فاتبعني، قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه، فقال مالك رحمه الله: يا عبد الله، بعث الله عز وجل محمدًا بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين." قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل" وعنه رحمه الله، قال: "الكلام في دين الله أكرهه".

وعن سلام بن أبي المطيع، أن رجلًا من أصحاب الأهواء -يعني من أهل البدع- قال لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة -كلمة من البدع يقول لأيوب أصرفها لي- فولى أيوب وجعل يشير بأصبعه ولا نصف كلمة" يعني ما يريد يكلم أهل البدع، ما يريد الجدال، قال: ولا نصف كلمة. رواه الآجري في الشريعة.

وعن معاوية بن قرة قال: "الخصومات في الدين تحبط الأعمال" قال الحسن بن علي البربهاري في شرح السنة: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق؛ لأن القدر سر الله، ونهى الرب جل اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر؛ فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة الأشياء، واسكت عن ما سوى ذلك" إذًا لا يجوز للإنسان أن يخاصم أحدًا ولا يناظره في النصوص ولا يتعلم الجدال.

قال المؤلف رحمه الله: " فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه، لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار" هذا كلام الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: الكلام في القدر كما سبق، يقول الإنسان يتكلم في القدر، يسأل، يعترض على الله لم فعل كذا؟ ويسأل عن الكيفية، وكذلك عن الكلام في الرؤية، كونه يجادل في النصوص تأويل النصوص بالعلم كما يفعل المعتزلة أو إنكار العلو، وكذلك الجدال في القرآن يجادل في القرآن حتى يمكن أن يكون كلام الله، القرآن لفظه ومعناه وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه، يقول: لا يكون صاحبه، وإن أصاب بكلامه السنة من السنة بسبب الجدال لا يكون صاحبه، حتى ولو أصاب السنة بكلامه، لا يكون من السنة، حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار، الآثار: النصوص، كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكذلك آثار الصحابة والتابعين، لا يكون الإنسان من السنة حتى يترك الجدال ويؤمن بالنصوص والآثار، ويدع الخصومات.

قال البغوي -رحمه الله- في شرح السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه، وقال الإمام أبو محمد البربهاري في شرح السنة: "واعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة، ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام والجدال والمراء والخصومة" والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله يقول: ﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(3) فعليك بالتسليم والرضا بالآثار والكف والسكوت.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مبينا سبب ذم السلف لعلم الكلام في كتابه "موافقة صحيح المنقول لصريح المقول" قال -رحمه الله-: فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها في هذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله- في وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس، ثم يلبسون عليهم، وكلام السلف في هذا طويل، نعم.

(1) البخاري : المظالم والغصب (2457) , ومسلم : العلم (2668) , والترمذي : تفسير القرآن (2976) , والنسائي : آداب القضاة (5423) , وأحمد (6/205).
(2) سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:58
(3) سورة غافر (سورة رقم: 40)؛ آية رقم:4


 مواد ذات صلة: